جان لوئيس بوركهارت
183
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
فإذا جاء الصيف وجف العشب وعز الكلأ في الجبل علفت في البيوت بسيقان الذرة الجافة وأوراقها . وأبقار الرعاة وإبلهم هي عماد ثروتهم ، ويملكون فضلا عنها الغنم والماعز ، ولكن أكثره استهلك في أثناء المجاعة . وأبقارهم متوسطة الحجم ضعيفة الجسم ، ولها قرون صغيرة وسنام من الشحم قرب الكتف . ولا تعرف هذه الفصيلة في مصر ، وهي تبدأ في دنقلة ولا ترى غيرها على ضفاف النيل حتى تبلغ سنار . وهذا السنام بعينه تلحظه في الأبقار المرسومة في صور المعارك الحربية على المعابد القديمة بصعيد مصر ، وقد رأيت هذه الفصيلة نفسها في الحجاز . وهم يربون البقر للبنه ، وأهم من لبنه عندهم لحمه ، وقليل منه يستخدم لإدارة السواقي . أما إبلهم فمن أنجب الفصائل ، بل إنها لتفضل إبل الصعيد المشهورة صلابة واحتمالا . وهجنهم تفوق ما رأيت في صحارى الشام وبلاد العرب . ولإبلهم وبر قصير جدا ، وجسمها خلو من الخصل . ولا تختلف الهجن عن إبل الحمل فصيلة ، ولكن القوم هنا أحرص الناس على نقاء السلالة ، وإن العربي منهم ليتجشم السفر أياما كثيرة في سبيل الوصول إلى بكر أصيل معروف يغشى ناقته . وقد تكاثر اليوم الطلب على الإبل للسوق المصرية ، ويبتاعها الباشا ليرسلها إلى شبه جزيرة العرب لتنقل ذخيرة الجيش ، ويسوقون منها كل شهر عبر الصحراء ثلاثمائة أو أربعمائة . ومع ذلك فثمن الجمل هنا لا يزيد على ثمانية ريالات إلى اثنى عشر ، وإن كان يباع في دراو بثلاثين أو أربعين ، وفي القاهرة بخمسين أو ستين . وأغنام هذه الأقطار الجنوبية لا صوف لها ، ولا يكسوها إلا شعر رقيق قصير كشعر الماعز ، لذلك لا يرى القوم لها نفعا يذكر ولا يربونها إلا للحومها . أما الحمير فتقتنى كل أسرة تقريبا منها اثنين ، وهي من فصيلة قوية ، وأهم ما تستخدم فيه حمل المحصول من الغيط ونقل السبخة من الجبل . وينشر الأهالي هذا الثرى المحتوى على النترات على الأرض قبل أن يزرعوها ، ولم أعرف غرضهم من ذلك ، أهو تسميد الأرض أم التخفيف من خصبها الشديد . والطلب كثير على الحمير المصرية لأنها أسرع من النوبية عدوا ، ويركبها وجوه القوم ، ويقبلون